• الإثنين 24 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر08:18 ص
بحث متقدم

الكبار الذين لزموا البيوت!

مقالات

هل تدفع مصر ثمن "الكبار" الذين لزموا البيوت أو أجبروا على ملازمة البيوت، أو أجبروا على الرحيل غير الطوعى، وكان فى أيديهم جزء من مفاتيح الحلول  الهيكلية الكبرى للأزمة السياسية المستحكمة، التى شارفت بالفعل أفق الانسداد السياسى الكامل؟!  فى حوار حديث دار بينى وبين أستاذة للأدب العربى بجامعة "شيكاغو" _ كانت فى زيارة علمية  لمصر _ سألتنى بفضول وتلهف: "أين المفكر الإسلامى المعروف د. "محمد عمارة" ( 1931 _ .. )  الذى تتلمذت على كتبه؟ ولماذا لم أعد أسمع له الآن صوتًا؟ "باغتنى السؤال وأدخل فى نفسى مرارات ثقيلة، ولم أدرِ بماذا أجيب، وتوطد السؤال الكبير: هل لزم الرجل بيته أم أن السياق العام، بملابساته السياسية والاجتماعية الجديدة، هو الذى أجبره على لزوم بيته، بعد أن تمت تنحيته عن موقع القيادة بمجلة "الأزهر"، وهو القرار الذى سبقته حملة تشهير مسعورة، لاغتيال رمزيته، ومحاولة الانقضاض على هيبته، وهو الطاقة الفكرية الجبارة التى غذت مكتبة التجديد الإسلامى والفكرى بما يزيد على مائتى مؤلف؟!.
وحين انتهى حوارى مع الناقدة العربية/ الأمريكية، ترسخ فى مخيلتى طيف حوار (متخيل) من النمط نفسه ومن موقع القلق ذاته: أين د/ "أحمد عيسى المعصراوى" (1953 _ ..) شيخ عموم المقارئ المصرية السابق؟! أين هذا الوجه الدينى المستنير ابن "ميت غمر"، وهو الذى قرأ القراءات العشر _ بالإجازة _ على  الشيخ "عبد الحكيم عبد اللطيف"، وترك لنا ميراثًا زاخرًا من المؤلفات القيمة، مثل كتابه: "دراسات فى علوم الحديث"، وكان يمثل رمانة ميزان حقيقية فى صياغة وعى دينى ناهض مستنير، ولماذا منعته وزارة الأوقاف المصرية من ممارسة أى عمل دعوى فى البلاد، فحرمت الملايين من علمه المشرق الثابت الناضح بالتسامح والاعتدال؟! والجواب على سؤال: "أين هو؟".. "لقد تم إجباره على مغادرة المشهد وهو حى يرزق!".
ومن الباب ذاته دار حوار، يمتطى ظهر السؤال نفسه: "أين الروائى الكبير صنع الله إبراهيم" ( 1937 _ .. ) صاحب الأعمال القصصية الرائدة: "اللجنة" و"ذات" و"نجمة أغسطس" و"بيروت.. بيروت"، وصاحب المواقف الوطنية والفكرية المشرفة، التى دفع ثمنها سجنًا فى عهد "جمال عبد الناصر" لأكثر من خمس سنوات، وهو الذى رفع رأسه _ بشموخ _ عام 2003 ورفض جائزة الدولة، لما اعتبره "فسادًا" عريضًا فى عهد "مبارك"، وقد تواترت هذه النصوص والمواقف لتجعل من "صنع الله إبراهيم" وجهًا فكريًا عالميًا مستقلًا، كان بمقدوره "حلحلة الأزمة" ولا أقول "حلها"، والجواب على سؤال: "أين هو".. "لقد لزم الرجل بيته أو أجبر على ملازمة بيته!".
وانعطافًا للسؤال المؤرق نفسه، يحق لمواطن حزين مخلص أن يسأل صديقه أو جاره: "أين القانونى والمفكر المعروف د / "أحمد كمال أبو المجد" (1930 _ ..) أستاذ القانون العام بجامعتى القاهرة والكويت، الذى شغل موقع رئيس المحكمة الإدارية بالبنك الدولى بواشنطن، وهو الرجل نفسه الذى كان وزيرًا للإعلام عام 1974، وعضوًا فعالًا بمجمع البحوث الإسلامية وصاحب رؤى وطنية رصينة، سواء اتفقنا معه أم اختلفنا؟! والجواب على سؤال: "أين هو؟".. "لقد لزم _ كالآخرين _ بيته، أو أجبره السياق الأحادى الجديد أن يلزم بيته!..".
وتمضى الأسئلة المشابهة فى ركابها الحزين: أين المفكر المعروف د/ "محمد سليم العوا" (1942 _ ..) رئيس جمعية مصر للثقافة والحوار، وصاحب الصولات الفكرية المعروفة، والمرشح الرئاسى السابق عام 2012، الذى ترك للمكتبة العربية عددًا وافرًا من الكتب العميقة، مثل: "الأزمة السياسية والدستورية فى مصر"، و"الفقه الإسلامى فى طريق التجديد"؟! أين هو الآن وهو الذى قدم إسهامًا إصلاحيًا وطنيًا رائدًا، تمكن من خلاله من إيقاف العنف فى مطالع التسعينيات حين اشتدت المواجهة بين "الدولة" و"الجماعة الإسلامية"، ونجحت مساعيه الإصلاحية المخلصة فى وضع حد لدوران عجلة العنف والجنون؟"، والجواب على سؤال: "أين هو؟".. يبقى _ بالنسخة الكربونية _: "لقد لزم بيته، أو أجبره السياق الحاضر أن يلزم بيته!".
وتنفجر موجات الأسئلة المتماثلة: "أين الشاعر الكبير والمترجم والمفكر المعروف د/ "رفعت سلام" (1951 _ .. ) ابن "منيا القمح"، الذى شارك منذ عام 1977 فى تأسيس مجلة: "إضاءة 77" وحصل على جائزة "كفافيس" العالمية فى الشعر عام 1993، وقدم للمكتبة الشعرية عددًا وافرًا من الكتب أبرزها: "وردة الفوضى الجميلة" و"إشراقات" و"النهار الماضى" و"ليرمنتوف.. الشيطان وقصائد أخرى"؟! أين هذا الرجل صاحب المواقف الفكرية والوطنية الرصينة، وهو الذى دفعت ابنته "يارا" ثمنًا باهظًا لمواقفها الوطنية، ودفع هو _ بطبيعة الحال _ الثمن مع ابنته؟! والجواب على سؤال: "أين هو؟.." لقد لزم البيت _ كرفاقه _ أو أجبره السياق العام أن يلزم البيت!".
وفى فضاءات المونديال يفرض السؤال نفسه: أين "أبوتريكة" أيقونة الرياضة المصرية، محبوب الجماهير الأثير (1978 _ ..)، الذى أصدرت محكمة النقض حديثًا حكمًا تاريخيًا بإلغاء إدراجه _ ضمن 1537 آخرين _ فى قوائم الإرهاب، لتنتهى إلى الأبد أكذوبة "اللاعب الإرهابى" التى طنطن بها بعض الصغار فى مدينة الإنتاج الإعلامى؟! أين هو الآن _ بعد الانتكاسة الرياضية المزلزلة؟ والجواب: "رحل الرجل أو أجبره السياق على الرحيل!".
مع كل رمز وطنى (توافقى) من هؤلاء  كان يلزم البيت أو يرحل، كان جزء من الأمل والحل الانفراجى يرحل _ بدوره _ أو يتبدد ويغيب.. وكان السكين المسنون يواصل النفاذ فى قلب اللحم!.
وثمة سؤال: إذا كان هؤلاء قد لزموا البيوت بصورة غير طوعية، شأنهم فى ذلك شأن مئات من الصحفيين والإعلاميين والساسة والكوادر الحزبية، فمن الذى بقى فعليًا خارج البيوت، ليقدم لنا رؤية أمل، أو خيطًا للحل، أو بوصلة لطريق معتم مغطى بالضباب؟! وهل يعتقد صناع القرار فى البلاد أن الطليقين خارج البيت الآن  من طراز "عمرو أديب" و"توفيق عكاشة" _ العائد! _ وغيرهما، هم الذين يملكون مفاتيح الحلول؟! وهل لهؤلاء أى رصيد جماهيرى حاضر يتيح لهم ذلك؟!.
بوضوح أقول: لا بديل عن انفراجة وطنية كبيرة، يخرج من خلالها (الكبار) ويغادرون بيوتهم، التى أجبرهم السياق على ملازمتها، ليضمدوا الجراح _ برؤاهم التوافقية العميقة _  بعد أن تعمقت الجراح فى جسد الوطن إلى الحد المخيف، المنذر بالأخطار الكبرى غير المسبوقة، بدءًا بقطرة الماء وانتهاء بصف مشرذم لا ندرى كيف يمكن جمعه مجددًا فى عائلة واحدة مرة أخرى!.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • ظهر

    11:52 ص
  • فجر

    04:26

  • شروق

    05:49

  • ظهر

    11:52

  • عصر

    15:19

  • مغرب

    17:54

  • عشاء

    19:24

من الى