• الإثنين 24 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر08:08 ص
بحث متقدم

هل كان بالإمكان تفادي بحور الدم بعد 30 يونيه ؟ (1/2)

مقالات

كانت عملية فض اعتصام رابعة هي أكبر فصول الصراعات السياسية دموية في تاريخ مصر الحديث كله ، مذبحة تضاءلت إلى جوارها كل المذابح التي كانوا يحكون لنا عنها في كتب التاريخ ، أو يدرسونها لنا في المدارس ، مثل مذبحة دنشواي التي ارتكبتها قوات الاحتلال الانجليزي ، وكانت مذبحة ضحاياها لا يتجاوزون الخمسة أو الستة من الفلاحين المصريين الذين تم إعدامهم ، في رابعة كان القتلى بالمئات ، وفي بعض التقديرات تجاوزوا الألف ، وكانت عملية الفض العنيفة للاعتصام فاصلا نفسيا وسياسيا ، عقد الأزمة السياسية في مصر ، من يومها وحتى الآن ، ووضعها في مسار عصي على الحل ، مسار الثأر والكراهية والرغبة في الانتقام والصدام بلا وسط وبلا أفق ولا نهاية منظورة .
وعلى الرغم من كل ما كتب عن المذبحة ، إلا أن وقائع تلك المرحلة ويومياتها وتاريخها لم تكتب حتى الآن ، وكل كتابات الإخوان عن المذبحة ـ تقريبا ـ تأتي في سياق العواطف السياسية والإدانة وتوصيف حجم المذبحة وآلام الضحايا وذويهم ، ولكن أحدا لم يرو بالضبط وقائع ما حدث ، والمفاوضات التي كانت تجري بين قيادات الإخوان والمجلس العسكري عبر وسطاء ، استمعت شخصيا لشهادة وسيط منهم وهو الأستاذ محمود حسان شقيق الشيخ محمد حسان الداعية السلفي المعروف الذي حكى لي ما جرى .
كل ما ترشح لنا من وقائع تلك المذبحة والأجواء التي سبقتها شذرات مبعثرة ، من تصريحات عارضة لبعض القيادات الإخوانية أو بعض شركائهم في منصة رابعة ، ومن تلك الشذرات ما قاله الدكتور عمرو دراج من أن الفريق أول عبد الفتاح السيسي لم يكن راغبا في فض الاعتصام بالقوة ، وكان متمسكا بالوصول إلى حل لإخلاء الميدان سلميا ، هو وجناح صغير في المجلس العسكري ، بمواجهة رؤية جناح أقوى رأي خيار الفض بالقوة ، وأن خيار الفض سلميا كان أيضا ما أصر عليه الدكتور محمد البرادعي والدكتور زياد بهاء الدين ، ومن ذلك أيضا شهادة الأستاذ حمزة زوبع أن قيادة الإخوان كانت تعلم أن الاعتصام لن يحقق عودة الرئيس مرسي للحكم ، ولكنهم صعدوا من الحشد والتمسك به كأداة للتفاوض ، وأيضا هناك شهادات متواترة على أن قيادات الإخوان وصلتها معلومة موعد فض الاعتصام بقوات من الشرطة والجيش قبل الفض بيوم كامل ، والبعض يقول يومين والبعض يقول بست ساعات ، ولكن القدر المتيقن والمجمع عليه أنه لم ينتصف ليل 14 أغسطس 2013 إلا وكانت قيادات جماعة الإخوان تعرف بشكل قطعي أن مذبحة ستقع في الصباح ، وحسب رواية وكالة الأناضول المقربة من قيادة الجماعة وقتها ، أن المرشد العام الدكتور محمد بديع عقد اجتماعا مغلقا ومهما للغاية عصر يوم الثلاثاء 13 أغسطس ، قبل الفض بيوم ، مع مكتب الإرشاد ومجلس شورى الجماعة في إحدى القاعات الملحقة بمسجد رابعة ، وعقب هذا الاجتماع انسحب عدد كبير من قيادات الجماعة من الاعتصام ، كما خرجت أعداد كبيرة من الكوادر الإخوانية التنظيمية من الاعتصام ليلتها ، وأن القيادات القليلة التي تبقت في الاعتصام أخفت معلومة الفض عن المعتصمين الذين ذهب بعضهم بعد صلاة الفجر إلى خيمهم للخلود للنوم ، غير مدركين أن الموت على بعد ساعة واحدة منهم ، وحسب رواية الأناضول أيضا أن أطباء تابعين للجماعة بدأوا يرتبون ـ ليلة المذبحة ـ بعض القاعات الملحقة بالمسجد لاستقبال الشهداء والمصابين المنتظرين ، كما أن بعض المحامين ألقوا محاضرة لشرح عملية تأمين تسجيل أسماء الشهداء والمصابين المحتملين ، ولوحظ في قوائم الشهداء بعد ذلك أن غالبتهم الساحقة ليسوا أعضاء بجماعة الإخوان .
في شهادة الشيخ محمد حسان ، أنه التقى بقيادات الإخوان بطلب منهم للوصول إلى اتفاق ينهي الاعتصام سلميا ويجنب الوطن بحرا من الدم ، وأنه نقل ما توصل إليه مع الإخوان إلى السيسي عندما زاره في مقر وزارة الدفاع ، وأن السيسي وافق على تجنب الفض بالقوة ، وطالب المعتصمين بفتح ممرات لحركة السير ، وأن يكون تخفيف لهجة العنف في الخطاب الإعلامي متبادلة بين الطرفين ، منصة رابعة والإعلام الحكومي ، ووعد بالنظر في الإفراج عن المعتقلين وفق احترام الخطوات السابقة وتطور الثقة بالالتزام ، وأن الشيخ حسان عاد إلى قيادات الجماعة بما توصل إليه مع السيسي ، غير أن القيادات سحبت كلامها السابق ، وقالت أنها لن تخلي الميدان ، وأن لديهم مائة ألف شهيد لا يبالي بالموت ، فخرج الشيخ حسان من الاجتماع إلى بيته محبطا ، ورفض الاتصال بالسيسي ، فاتصل به اللواء العصار وسأله عن الرد الذي وعد به ، فلم يجبه بأي معنى ، وإنما قال : إنا لله وإنا إليه راجعون " وكررها مرارا عبر الهاتف ففهم العصار أن الوساطة فشلت .
ومن الشذرات وشهادة الشهود أيضا ، أن الاعتصام كان سلميا بالفعل ، وأن العناصر التي كانت تحمل السلاح فيه قليلة جدا ونادرة ، ومهمشة ، ولم تكن صاحبة قرار ، وكان سلاحا أقرب للسلاح الشخصي ، لكن عموم الاعتصام كان سلميا ، غير أن تلك العناصر المهووسة تسببت في تشويه للاعتصام بالفعل ، وارتكبت حماقات واعتداءات على صحفيين ومراسلين وآخرين ، أساءت كثيرا للاعتصام ، ومن تلك الاعتداءات كان اعتداء أحمد المغيرة على مراسل صحيفة المصريون واحتجازه وكسر ذراعه ، كما كان الخطاب السياسي عبر منصة رابعة مخيفا للقوى السياسية الأخرى ، لأن لغته كانت مشحونة بالانتقام وتصفية الحسابات إذا ما قدر لهم أن ينتصروا ، وهو ما صنع رأيا عاما سياسيا داعما للفض ، وقد كان حريا ـ لو كان هناك عقل سياسي ـ أن تكون هناك جسور تواصل وخطاب طمأنة للقوى السياسية الأخرى بلغة تصالحية أو بعيدة عن الوعيد والتهديد بالانتقام  .
كل تلك الشذرات لا تكفي لتكون رواية كاملة عن وقائع الاعتصام وما انتهى إليه من مذبحة مروعة ، لكنها تعطي دليلا واضحا على أن الإخوان تعمدوا الصدام مع الجيش ، وأنهم كانوا على وعي تام بأن أي صدام ستتمخض عنه مذبحة بشرية ، وأنهم سحبوا عناصرهم المهمة من الاعتصام ليلتها ، كما لم يقوموا بإخلاء الميدان من الأطفال والنساء ، لأنهم ـ أخلاقيا ودينيا ـ لا يصح تركهم في هذه المحرقة المنتظرة ، وأن الجماعة علمت بموعد فض الاعتصام ورتبت أوضاعها على هذا الأساس وأمنت كوادرها وسحبت قياداتها إلا رموزا قليلة ، بينما أخفت المعلومة عن بقية المعتصمين ، وتركتهم للمصير المؤلم ، كما أن الجماعة كانت تدرك أن هذا الاعتصام لن يعيد مرسي للسلطة وإنما استخدمت هؤلاء كدروع بشرية وكورقة للتفاوض لتحقيق مكسب سياسي للجماعة ، ومع ذلك كانت ـ في نفس الوقت ـ تروج الأكاذيب والأوهام لآلاف المعتصمين على منصة رابعة عن عودة مرسي التي اقتربت وانشقاق الجيش ، تضليلا لهم عن الحقيقة ، ولمجرد إلهاب مشاعرهم لمواصلة البقاء في الاعتصام ، وفي المحصلة أن الجماعة ذهبت إلى الصدام الدموي بإرادة سياسية واعية ، وتخطيط أداره مكتب الارشاد ، رغم معرفتها بأن الجيش هو الذي سيفض الاعتصام مع الشرطة ، والجيوش تدريبها قتالي وبالذخيرة الحية ولا تعرف لغة القنابل المسيلة والرش بخراطيم المياه التي تستخدمها قوات الشرطة المدنية ، وبديهي أن قيادة الجماعة كان بإمكانها تجنيب مصر بحر الدم هذا لو أنها قررت إنهاء الاعتصام طواعية ، أو نقله ، أو اللجوء لخيارات أخرى في التظاهر المتحرك ، وصرف الناس منه ليلة الفض ، ولكن من الواضح أنها كانت ترتب لصناعة مظلومية جديدة بلون الدم ، دفع ثمنها مئات الشهداء الأبرياء ، رحمهم الله ، وعوض ذويهم خيرا .
لماذا لم تدون جماعة الإخوان وقائع تلك المرحلة وتنشرها على الرأي العام ؟ وهم أولياء الدم كما يقولون ، لماذا تصمت الجماعة وتلجأ إلى الخطاب الدعائي العاطفي الفضفاض ، لماذا لا تذكر كل شيء ، لماذا لا تسرد الحقائق حسب وجهة نظرها ، ما الذي تخشاه من عرض تلك الحقائق ، هل هي معلومات تدينها ؟ وتخشى أن يطلع عليها الرأي العام ؟ أفهم أن يمتنع النظام عن السرد وعن تقديم رواية كاملة لما حدث ، فهي ليست في مصلحته كما أنه ليس مضطرا لذلك الآن ، ولكن الذي لا أفهمه هو صمت الجماعة ، ألستم تقولون أنكم كنتم أبرياء في تلك الواقعة ، وأنه تم الغدر بكم ، وأنكم الضحايا ، حسنا ، لماذا لا يروي الضحايا الوقائع ، لماذ الصمت المريب ؟ .... وللحديث بقية .

** مظلوميات الإخوان واحترافهم تضليل العقل والعدالة
** نعم لقد خان الإخوان الثورة وغدروا بالشعب (2/2)
** نعم لقد خان الإخوان الثورة وغدروا بالشعب (1/2)
** متى يعتذر الإخوان للشعب المصري ولثورة يناير ؟!

[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • ظهر

    11:52 ص
  • فجر

    04:26

  • شروق

    05:49

  • ظهر

    11:52

  • عصر

    15:19

  • مغرب

    17:54

  • عشاء

    19:24

من الى