• الجمعة 19 أكتوبر 2018
  • بتوقيت مصر08:09 م
بحث متقدم

ما الذي جرى في مصر خلال خمس سنوات ؟!

مقالات

الذي ينظر في أحوال مصر الآن والشارع السياسي والقوى السياسية المصرية بمختلف أطيافها لا يمكنه تصور أن هذا المجتمع هو نفسه الذي كان يمور بالحركة والطموح والتحدي قبل هذا التاريخ ، من يرى مصر اليوم لا يمكنه افتراض أنها هي البلد نفسه الذي أذهل العالم قبل ست سنوات ، وجعل رئيس أمريكا ووزيرة خارجيته تجلس متسمرة أمام شاشة التليفزيون لرؤية هذه السيول البشرية التي تجتاح شوارع مصر وتغني للحرية ، لا يمكن لأحد تصور أن هذه هي القوى السياسية التي كانت إذا قررت النزول إلى الشارع نزل مليون مواطن أو مئات الآلاف من المواطنين في سيل بشري يجتاح الشوارع والميادين ولا يجرؤ أحد على صده أو وقفه ، والكل ينحني أمامه ، وهي المليونيات التي تحولت ـ أحيانا ـ إلى برنامج أسبوعي ، لا أحد يتصور أن هذا المجتمع الذي كان يمتلك طموحا يلامس القمر في الحرية والعدالة والشراكة السياسية والحقوق الإنسانية ، هو نفسه الذي ينكفئ على نفسه اليوم ، وينزوي الجميع فيه في أركان قصية عن النظر وعن الرؤية وعن النشاط ، وبعضهم يفكر في هجر السياسة وبعضهم يفكر في هجر البلد بكاملها .
ما الذي جرى في مصر ؟ بطبيعة الحال هناك إجابات كثيرة يمكن أن تتلقاها على هذا السؤال ، ولكن تبقى المشكلة أن نفس هذه الإجابات ستكون جزءا من الأزمة التي انتهت بنا إلى هذا الحال ، بمعنى أن الإجابات التي تتلقاها على هذا السؤال ستتوقف على الخندق الذي كنت تقف فيه أثناء الصراع السياسي ، فإذا كنت في خندق الإخوان والإسلاميين فستكون الإجابة هي التواطؤ على وقف المسار الديمقراطي والقبول بعزل الرئيس المنتخب والرقص على جثث القتلى في الميادين والرضا بحملات الاعتقال التي طالت عشرات الآلاف من أنصارهم ، وإذا كنت من معسكر القوى المدنية وائتلافات الثورة ، فستكون الإجابة هي انتهازية الإخوان التي صورت لهم أنهم يمكنهم اختطاف السلطة بعد الانتخابات الرئاسية والانفراد بمصير الوطن ، وأنهم يمكنهم التحالف مع الجيش وسحق الباقين ، وأنهم هم الذين سلموا السلطة للنظام الجديد على طبق من ذهب .
بطبيعة الحال ، تعرض المجتمع إلى حزمة من الإجراءات والقوانين التي شلت حركته ، وكان هناك محترفون يقودهم "المحنك" المستشار عدلي منصور ، رئيس المحكمة الدستورية ورئيس الجمهورية المؤقت ، يعرفون كيف "يحزمون" المجتمع ، وكيف يشلون قوة الشارع ، وصدر قانون حظر التظاهر مع حزمة أخرى من القوانين ، كما تعاملت الأجهزة بقسوة مفرطة في أي تحرك في الشارع ، أيا كان مصدره ، وأيا كانت سلميته ، وكان مشهد قتل الشهيدة شيماء الصباغ التي كانت تحمل الورد في يدها لرجال الشرطة في ميدان طلعت حرب وسط القاهرة رسالة واضحة بأن اي نزول في الشارع لن نتسامح معه ، كما أن المظاهرات التي تحرك بها أنصار الإخوان تآكلت سريعا نظرا لأنها كانت تحمل أهدافا وشعارات منعزلة عن بقية قوى المجتمع ، وقضيتهم كانت مختلفة عن قضية المجتمع أو بقية قواه السياسية ولا تملك إجماعا وطنيا يدعمها ولا حتى غالبية ، وهو ما سهل سحقها وتجفيف منابعها حتى اختفت من المناطق المهمشة التي كانت تنشط فيها بعيدا عن الميادين الرئيسية .
كل هذا صحيح ، ولكن الصحيح أيضا أن هناك روحا غابت عن الشارع ، وعزيمة تحطمت ، وإحباطا انتشر ، وسوء ظن بين الجميع للجميع توطن في الحياة السياسية ، وتلاوما مرضيا مزمنا لم تعد القوى السياسية قادرة على الخروج من أسره ، وتمزقا في الرؤية والأهداف والمشروعات والأولويات ، أذهب الريح ، ريح الجميع ، وهي الحكمة الربانية التي جاءت في التنزيل الحكيم قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم" .
كيف الخروج من هذا الكابوس السياسي الذي ألم بمصر وحياتها السياسية ، وكيف يمكن تصحيح مسار الوطن ، وبث الروح فيه من جديد ، ونشر الأمل في تحقيق الحرية والكرامة والعدالة ، الخبز والحرية معا ، بطبيعة الحال ، الإجابة هنا أيضا ستطول ، ولكن المؤكد أنها إذا خضعت لإملاءات الخنادق الفكرية والسياسية التي مزقت مصر في 2013 ، فلن تكون إجابات ، وإنما ستكون مجرد مزيد من التمزق وحساب النقاط المزيف في صراع سياسي عدمي .
أعتقد أن الحل ـ ببساطة ـ هو استعادة الروح والمعنى والنسيج الوطني الذي عرفته مصر لأول مرة في ميدان التحرير 2011 ، لن ينتصر أحد إلا بانتصار الباقين ، ومصر لجميع أبنائها ، والتعايش السلمي بين كل مكوناتها ، والشراكة الكاملة ، وإدارة الدولة خاصة في المراحل الانتقالية في مسارها إلى الديمقراطية ، بالمشاركة وليس المغالبة ، فلا أغلبية ولا أقلية ، حتى تتجذر ثقافة الديمقراطية في المجتمع والدولة والمؤسسات والأجهزة أيضا ، وتتعزز الثقة بين مكونات الأمة ، ويتلاشى خوف البعض من البعض ، ويصبح الصراع السياسي صراع أحزاب وبرامج ومصالح اجتماعية وليس صراع ايديولوجيا وطوائف .
غير أن درس يناير الجديد ، ينبغي أن يتجاوز في القوى السياسية الخطأ الذي وقع منها قديما ، فليس كافيا أن تطالب بالتغيير والإصلاح ، ليس كافيا أن تطوي صفحة ما سبق ، ولكن الأهم أن يكون هناك إجماع وطني على البديل ، على صياغة المستقبل ، برنامج سياسي مقنع للجميع ، ويدرك فيه "الجميع" أنه لا يوجد حل يحقق لأي طرف كل رؤيته ، وأن التنازل والوصول إلى حلول وسط وقاعدة إجماع وطني هو جوهر السياسة وعماد الديمقراطية ، ومسألة أن تحقق لنفسك أو تيارك كل شيء أو لا شيء يضعك على أول سلم الديكتاتورية . 

[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد قرار منع بيع الدواجن حية في المحلات؟

  • فجر

    04:43 ص
  • فجر

    04:42

  • شروق

    06:05

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:58

  • مغرب

    17:24

  • عشاء

    18:54

من الى