• السبت 17 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر03:29 م
بحث متقدم

إذاعة القرآن.. نهاية حلم!

مقالات

نام الناس فى مصر، ثم استيقظوا وفُوجئوا _ دون أدنى تمهيد أو مقدمات _ بنقل ستة مذيعين (نعم ستة مذيعين دفعة واحدة!) من "إذاعة القرآن الكريم"، أشهر الإذاعات فى المنطقة العربية على الإطلاق، وتوزيعهم على محطات إذاعية أخرى! كان القرار صادمًا وموغلًا في القسوة والإيلام، وخصوصًا أن المذيعين الستة، (أركان كبرى) مؤسسة في إذاعة القرآن، أي أن القرار (الدون كيشوتي) الصادم المفزع، لا يمس جزءًا من جدران البيت، بل يمس "الكمرات" أو "عصب البيت" نفسه، بمعنى أنه ينزع الأعمدة الصلبة المتينة، التي يقوم عليها البيت! والمنقولون الذين حيل بينهم وبين استوديوهات إذاعة القرآن العريقة _ صدق أو لا تصدق! _ هم "شحاتة العرابي" و"علاء العرابي" و"حمزة المسير" و"عبد الخالق عبد التواب" و"إبراهيم خلف" و"وسام البحيري"، يا لله! أي أكثر من ثلاثة أرباع قوة المحطة  الفاعلة، ممن اعتاد الناس برامجهم الشهيرة / الناجحة، التي أصبحت جزءًا من طقوس يقظتهم ونومهم!.

والستة، في المجمل، تصلني بهم أوثق الصلات الإنسانية والإعلامية، وقد سجلت معهم كثيرًا من البرامج الهادفة المفيدة عبر سنوات، وخصوصًا "شحاتة العرابى" أيقونة إذاعة القرآن، الذي قضى من حياته الإعلامية نحوًا من اثنين وثلاثين عامًا في أروقة إذاعة القرآن، مذيعًا ومعدًا، وصاحب صوت منضبط رخيم، لا يخطئ أو يلحن في اللغة مطلقًا، وتخرج على يديه رعيل مؤثر ناجح من الإعلاميين من مختلف الأجيال، وقد تحولت بعض برامجه المتألقة من مثل: "مواقف إسلامية" و"قطوف من حدائق الإيمان"، إلى خبز يومي _ صباحي و مسائي _  ألفه الصغير والكبير، واعتاد عليه الجميع، فتعلم منه المصريون القيم الإسلامية الرفيعة، وأصول الإسلام الراقية. 
وقد جربت التعامل مع الرجل _ عبر سنوات _ فكان مثالًا للوسطية والنزاهة والاعتدال والانضباط _ كعقارب الساعة الدقيقة _ ولا أذكر أننى سبقته أبدًا إلى الأستوديو فى لقاء جمع بيننا كان دومًا السباق إلى الحضور دون أن يتخلف عن موعده المحدد المضروب دقيقة واحدة!.
من تواتيه الشجاعة، أو يهيمن عليه "موت القلب" ليطيح بهؤلاء (الكبار) دفعة واحدة دون أن يطرف له جفن، أو تهتز له خلية، أو تطوله (شكة ضمير) _ ولو في أضعف الحالات! _ ولماذا "إذاعة القرآن الكريم" تحديدًا؟! ولماذا الآن؟! وكيف تمتعت السيدة "نادية مبروك" رئيس الإذاعة المصرية، ومعها السيد "حسن سليمان" رئيس شبكة القرآن الكريم، أقول كيف تمتعا بكل هذه القسوة _ التي تجاوزت كل السقوف والتوقعات _ لإزاحة هذه القامات الإعلامية من موقعها (الناجح) بمثل هذه السهولة المفرطة التي تعدل احتساء فنجان صغير من القهوة؟! وكيف نقبل نحن _ المستمعين للإذاعة الأشهر في مصر _ غياب هذه الأسماء والبرامج _ شديدة التميز والنجاح _  دفعة واحدة بهذه الطريقة (الصاعقة المؤلمة)؟! وكيف سمح السيد "حسن سليمان" رئيس الشبكة لنفسه _ أيًا ما كانت معايير الاختيار والقرار _ أن يطيح هكذا بكل هذه الأسماء، كأنما يباشر شهيقًا وزفيرًا دون أي أزمة أو انزعاج، في الوقت الذي يسمح فيه لنفسه في الوقت ذاته، أن يقدم _ بمفرده! _ ستة برامج دفعة واحدة، دون أن يستشار أحد في مثل هذه القرارات المباغتة؟! يحال بين الستة الكبار وبين الميكروفون بحجة "حاجة العمل" أو "حاجة الإذاعات الأخرى إلى الخبرة"، ثم يقدم السيد حسن سليمان _ وحده _ على أثير إذاعة القرآن برامج: "دقيقة فقهية" و"ومضة تفسيرية" و"لمحات إيمانية" و"ياسامع الدعاء" و"رقائق إيمانية" و"سنن إلهية" دون مشاركة من أحد؟! هل نحن في جمهورية موز حتى يتم هدم ركن وجداني أصيل في قلوب المصريين، كإذاعة القرآن الكريم، بمثل هذه السهولة الشديدة، التي تشبه عملية صف قطع "دومينو" في الوضع الرأسي بصورة متلاحقة، ثم خبطها بالإصبع، لتسقط إلى الخلف وتنهار من طولها بالتتابع، لتمحو بتبلد وتناحة، سطورًا غالية من الذاكرة والوجدان الشعبي؟! كيف استطاعت السيدة نادية مبروك إن تعود إلى بيتها وتخلد إلى النوم، بعد هذا القرار الكارثي، الذي صدر للقامات الإعلامية الناجحة إحباطًا نفسيًا، لا دواء له ولا طب ولا حتى عطارة، فتلقوا بعد إجادة سنوات وعقود جزاء "سنمار"، وتجرع معهم المصريون مرارًا طافحًا، وغصة في الحلوق؟! وكيف استطاع السيد "حسن سليمان" أن يغمض عينيه ليلًا على وسادته بعد رحيل الكبار، أو بالأدق "ترحيل الكبار" بهذه الصورة المهينة لتاريخهم الإعلامي الرفيع، الذي صنع لإذاعة القرآن الكريم مجدًا لا ينكره إلا جاحد؟! من صاحب المصلحة في تدمير إذاعة القرآن الكريم، قلعة الاعتدال ومدرسة الفكر الرفيع وركن التصالح الوجداني الشعبي مع الذات؟!.

هل استطاع بطلا القرار الصادم الصاعق، أن يقدرا تبعات هذا القرار، وآثاره المؤكدة على رمزية إذاعة القرآن وأدوارها الحاضرة والمأمولة ، وهى المؤسسة الإعلامية الأكثر صلة ولصوقًا بحياة المصريين، من مختلف المستويات والشرائح والطبقات؟! ونحن نعرف جيدًا أن "الحرفى"، في ورشته، والطالب في أحلك ساعاته العصيبة، وربة البيت في سحابة نهارها، وغيرهم يتركون مؤشر الإذاعة على موجة القرآن الكريم مددًا طويلة، قد تستغرق يومًا بتمامه؟! ولم يخطئ أبدًا من قال إن دور إذاعة القرآن الكريم في حياة المصريين، ربما فاق أدوار الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف، من حيث مساحة التأثير والتوجيه وتوجيه الوعي العام؟!.
يا أيها السادة النجباء أبطال المأساة الجديدة، التي افتعلناها دون أدنى ضرورة أو لزوم، لقد تأسست إذاعة القرآن الكريم في التاسع والعشرين من مارس عام 1964، لتسد فراغًا هائلًا وخطيرًا، فانطلقت أصوات المنشاوي وعبد الباسط ومحمد رفعت ومصطفى إسماعيل والطاروطي، لتشكل وجدانًا متزنًا خيرًا، يحتفى بقيمة العطاء، وتعاقب الكبار من رعيل د. كامل البوهي ود. عبد الصمد الدسوقي ود. هاجر سعد الدين وغيرهم على رئاسة الإذاعة العريقة ليؤدوا أدوارهم بحيدة وتفانٍ وأمانة، حيث استهلت الشبكة رسالتها ببث القرآن يوميًا أبع عشرة ساعة، بصوت الشيخ الحصري، برواية حفص عن عاصم، فهل وعى أبطال القرار المأساوي الخطير، هذا التاريخ جيدًا؟ وسيظهر _ تباعًا _ ككرة الثلج المتدحرجة تبعات هذا القرار الكارثي، حين نحتاج إلى "الصوت المعتدل" فلا نجده، فتتكالب عشرات البؤر والمنابر المشبوهة، لتصنع رسائل فكرية ملغومة، تصدر سم الكراهية، وفيروس التزمت والإرهاب الأسود، بعد أن خنقنا _ بإيدينا لا بيد عمرو _ منابر الاعتدال، واحدًا إثر الآخر!.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • مغرب

    05:01 م
  • فجر

    05:02

  • شروق

    06:29

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:40

  • مغرب

    17:01

  • عشاء

    18:31

من الى