• الأربعاء 21 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر04:31 م
بحث متقدم

الرهان

مقالات

يمكنك أن تمارس حريتك الحقة حين تتخلى طواعية عنها، وأن تصبح أكثر ثراء حين تزهد في حقك المشروع في ملايين الدولارات حتى وإن جاءتك مصادفة أو على طاولة رهان. أما السنوات التي تقضيها بعيدا عن صرخات الجوار وأصوات الباعة الجائلين والوعود الكاذبة والثرثرة مع أصدقاء المقهى أو في تجاذب أطراف الحديث مع رفاق الدراسة أو العمل، فلا تأس عليها أبدا، إذ يمكنك استبدال التافهين من البشر بالنابهين من الكتاب والمثقفين على مر العصور وبمختلف اللغات. فالناس تفكر في النهاية بالطريقة نفسها وإن كانوا يعبرون عن حاجاتهم بلغات مختلفة. كما يمكنك استبدال اللذات العابرة بلذات مستدامة مع أشخاص تختار تفاصيلهم بكل دقة في فضاء خيالك الواسع، كما باستطاعتك اختيار الأماكن التي تقضي فيها بصحبتهم أطيب الأوقات، فتأخذهم في رحلة غوص إلى الكاريبي أو تصعد معهم إلى قمم الهيمالايا، وأنت وحدك القادر على اتخاذ القرار بالنزول إلى السفح لالتقاط الجوز أو تقديم الأسماك للطيور فوق باخرتك الخاصة. لا حاجة في سجنك الاختياري لامرأة واحدة، إذ يمكنك اختيار امرأة لكل ليلة بتفاصيل تشتهيها دون أن تلومك إحداهن أو تضع لك السم في كأسك أخرى. يمكنك إذن أن ترهن حريتك المزعومة لتحظى بحرية حقة، حتى وإن على سبيل التجربة. تلكم 
كانت رسالة الكاتب الروسي العظيم تشيكوف في قصته الرائعة "الرهان".
في بداية القصة، يتحلق حفنة من المثقفين حول طاولة قمار يتجادلون فيما بينهم عن أحقية الدولة في انتزاع أرواح مواطنيها، وهي التي لم توفر لهم حياة كالحياة، كما لا تستطيع أن تمنح الأرواح التي تستلها قبل أو بعد السلب، وفيما إذا كانت عقوبة السجن المؤبد أرحم من قص الرقاب دونما شفقة. صحيح أن الأرواح تزهق في الحالتين، لكن الموت السريع ربما يوفر على السجين مئونة انتظاره. كان صاحب صالة القمار ثريا متبجحا، ينظر إلى رفاقه المثقفين نظرة استعلاء، لأنهم - في نظره - لا يملكون إلا الكلمات التافهة ليبرروا عجزهم البين عن تحقيق الثراء مثله. وكان الرجل يدافع عن رأيه بكل حرارة عن أفضلية الموت السريع، ولم يطق جدال صديقه المحامي الشاب الذي أقسم بوكيد الأيمان أنه على استعداد للسجن بضع سنين على أن يلتف حبل المشنقة حول رقبته لثانية واحدة، فتحداه بمليوني روبل مقابل أن يبقى في السجن خمس سنوات فقط. لكن المحامي الشاب الواثق من قدرته على تحمل رطوبة الجدران قال في رعونة أنه مستعد لدفع خمسة عشر عاما من حياته مقابل هذا المبلغ، ولأن أحدا من المختصمين لم يرد أن يتنازل عن حقه في التبجح، وافق الطرفان في حضور ذلك الجمع على وضع بنود الرهان. 
مليونا روبل إذن هي المرادف المادي لخمس عشرة سنة من الحبس الانفرادي الاختياري في غرفة معزولة ومراقبة في ساحة الثري الخلفية. على أن تدخل إلى السجين حاجياته من مأكل ومشرب ومسكر، ورفاهياته من أدوات للعزف والقراءة والكتابة. لكن تظل الأصوات الآدمية محظورة طوال تلك الفترة. من حق السجين أن يكتب، لكن ليس من حقه تلقي الرسائل أو الاتصال بأحد. وفي نهاية الفترة المحددة، يخرج السجين من محبسه ليمارس حقه في مال صديقه، فيتزوج في الأربعين، ويمتلك قصرا إن شاء مليئا بالخدم والمحظيات. ووقع الطرفان على عريضة الرهان، ثم أخذ الرجل أدواته الخاصة، وذهب إلى ركن صديقه القصي ليجرب حرمانا قاسيا من الحياة التي لم ينل حقه فيها بغير رهان. 
كان المحامي الشاب يعلم جيدا أن العمر ليس كلية يمكنك أن تراهن على شبيهتها في الجانب الآخر من الجذع، وأن سنوات الوحدة أطول بكثير من عقود مشحونة بالأحداث والصور، لكن الرجل لم يكن لديه ما يخسره على أية حال. فقد أمضى من عمره خمسة وعشرين عاما دون أن يحقق نجاحا يذكر. كما أنه لن يستطيع وإن عمل في نحت الجبال فوق الصخور الراسيات تلك الفترة دونما كلال أن يوفر مبلغا كهذا. ثم أنه لا زوجة له ولا ولد، ولا صديق تطيب جلسته، وإلا لما أهدر وقته مع هؤلاء المتنطعين من السكارى حول مائدة قمار ليتجادلوا حول أمور لا تسمن ولا تغني من قهر. فإذا لم يكن لديك ما تبكي عليه خارج الأسوار، فأي مقامرة تلك التي يمكن أن تخشاها؟
وهكذا، بدأ الرجل ينظر في بلادة إلى أيام عمره المتساقطة فوق بلاط السجن البارد، فلا يمد يدا ليحاول إنقاذ ما تبقى من سنوات مرهونة بصك يستطيع تمزيقه في أي وقت يشاء. امتنع الرجل عن شرب المسكرات طواعية، لأنها ستفسد أرادته وتوهن عزيمته. وتوقف عن شرب الدخان حتى لا يفسد هواء غرفته وقفصه الصدري الذي سيضيق حتما بالوحدة. ومر العام الأول بطيئا مملا، تعالت فيه زفراته الحارة وصرخاته المكتومة، وأصوات جيتار كان يجيد العزف عليه. لكن تلك الأصوات جميعا بدأت تخفت في العام الثاني قليلا، فلا تسمع للسجين أو لآلته إلا همسا. وفي عامه السادس، انكب الرجل على دراسة اللغات والتاريخ والفلسفة حتى وأن صاحب السجن كان ينفق على كتب سجينه أكثر مما ينفق على شرابه هو. وبعد أربع سنوات، كتب إلى صديقه رسالة خطية بست لغات مختلفة يستعطفه فيها أن يطلع متخصصين من أهل اللغات على ما كتب، فإن لم يجد خطأ لغويا في أي من تلك الرسائل، فليطلق النار في حديقته مرتين ليعلمه بأن أيامه داخل السجن لم تذهب سدى. وبالفعل حدث ما تمنى، فطابت سريرته وشعر بالإنجاز مما هون عليه غربة السجن وأهله لتخطي ما تبقى من حياة منزوعة الفرحة.
وفي العام الحادي عشر، لم يقرأ صاحبنا سوى الكتاب المقدس، ولم يطلب غيره، لكنه انكب بعدها على قراءة كافة أنواع الكتب في شتى العلوم والآداب، فصادف أن يطلب من صاحب النزل رواية لشاكسبير ومعها كتابا في علوم الأديان وكتابا في الفيزياء في نفس الرسالة. وهكذا، استطاع الرجل أن ينفق الأعوام المتبقية في ثقافة موسوعية مذهلة جعلت منه عالما موسوعيا في شتى المجالات.
ولكن الأيام التي تركت بصمتها القاسية على ملامح المحامي الشاب، تركت تصدعات بالغة في حياة صاحب الملايين المقامر. إذ فقد الرجل ثروته أو كاد في مغامرات غير محسوبة في سوق الأوراق المالية، وصار يحصي ديونه كما كان يحصي ثرواته من قبل. وحين جاء اليوم الموعود، قرر المرابي أن يستل روح سجينه مرة أخرى، فذهب إلى غرفته القصية في جنح الليل، وكانت السماء تهطل فوق رأسه الأصلع وكرشه المتهدل، لكنه لم يكن ليترك المحامي الشاب يتقلب في نعمائه، بينما يقضي هو ما تبقى من حياته بائسا فقيرا. كان عليه أن يضع حدا لحياة لم تكن كالحياة، عله يستطيع أن يظل واقفا على قدمين من بجاحة حتى آخر رمق. ولما اقترب من زنزانة الرجل وفتحها، لم يحرك المحامي الشاب ساكنا. كان هزيلا حد البؤس، كث الشعر وكأنه أنثى، أما لحيته التي لم يكن يعتني بتهذيبها، فكانت تتدلى أسفل صدره لتعلن أنه تحمل تكاليف الإقامة الاختيارية بكل تفاصيلها المزعجة، وأنه صار أهلا لنيل حريته ومبلغ الرهان. قرر المرابي الجشع أن يجهز على أسيره، لكن فضوله دفعه لقراءة آخر ما كتب. في تؤدة، قرأ صاحبنا رسالة المحامي الشاب التي يعلن فيها تخليه عن حقه في المال، وعدم رغبته في مواصلة الحياة بين أناس لم يعد يرى أنهم أهل لصحبته. فقد تعلم الرجل في محبسه الاختياري أن الوحدة خير من رفقاء طاولة القمار، وأن أوراق الكتب أثمن بكثير من نقود ذلك العجوز. وفي الرسالة قرأ الرجل عن نيه ضيفه في الهروب قبل الموعد المحدد بخمس دقائق حتى لا يضطره إلى دفع المبلغ المتفق عليه. 
أغلق المرابي باب الزنزانة وعاد إلى زنزانته الأرحب، وهو يبكي جشعه الذي ذهب به كل مذهب حتى دفعه إلى إعدام الرجل مرتين. وفي الصباح، أخبر حارس السجن أنه رأى السجين يتسلق أسوار سجنه قبل دقائق من موعد استلام الرهان. وعندها أغلق العجوز عينيه وأطلق زفرة حارقة كادت أن تذهب معها روحه الضالة الحائرة. 
الفرار من الحياة كان السبيل الوحيد إلى الحياة في عرف المحامي الشاب، والتعالي فوق حاجات الجسد والرغبات الدنيوية التافهة كان قراره الأخير. وهكذا انتصر الشاب مرتين، مرة حين اختلى بنفسه، وقرر ترويضها عن طريق الامتناع عن التدخين والمسكرات، وثانية حين تسامى وتنازل عن حقه المكفول بورقة موثقة بأختام مغلظة وشهود عيان. الفرار من الحياة هو السبيل الأوحد للحياة، تلك هي الرسالة المقتضبة التي أراد أن يتركها لنا تشيكوف العظيم. وأن بإمكاننا أن نقامر وأن ننتصر في معركتنا الخالدة مع الشهوات والنزوات، وأننا قادرون حين نقرر أن نترك ما في أيدينا طواعية من حرية ومادة، أن نحرر أرواحنا الضالة من أسرها التقليدي، فنرى ما لا يراه الناظرون. هي رسالة من رجل عرك الحياة حتى ألفها، وعلم منها ما لا يعلمه الملتفون حول طاولتها المستديرة، فهرب منها إلى عزلة جعلته مفكر عصره، بل وفيلسوفا لكل العصور.

عبد الرازق أحمد الشاعر

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • مغرب

    04:59 م
  • فجر

    05:05

  • شروق

    06:32

  • ظهر

    11:46

  • عصر

    14:39

  • مغرب

    16:59

  • عشاء

    18:29

من الى