• الإثنين 17 ديسمبر 2018
  • بتوقيت مصر07:26 م
بحث متقدم

مراكز التدريب الوهمية.. «النصب بشياكة»

ملفات ساخنة

أرشيفية
أرشيفية

محمود أبوسعد

تحصل على آلاف الجنيهات مقابل «لا شىء».. شاب دفع كل ما يملك من أجل حلم السفر.. فاكتشف أنه اشترى الوهم

خبير تنمية ذاتية يقدم نصائح للشباب: اسألوا أولاً حتى لا تقعوا فى الفخ..

محامٍ: تعدد جهات الترخيص يقف وراء الإفلات بأموال الغلابة بدون عقوبة واعتماد الشهادات بدون قيمة

لا يكاد يخلو شارع من شوارع المحروسة الآن من أحد مراكز التدريب، التى تتخصص فى تنظيم الدورات التدريبية للطلاب والخريجين فى أى من مجالات المعرفة المختلفة، والتي تتنافس فيما بينها على إيقاع الشباب فى شباكها، بإغرائه بالشهادات المعتمدة أو الألقاب الرنانة، ومنحه "فيزا" للسفر إلى بلد أوروبى لاستكمال الدراسة.

وأمام كل هذه الإغراءات وغياب الرقابة الفاعلة، تسطو هذه المراكز على أحلام الشباب المصري، حتى أصبحت أداة للسطو على أموالهم.

"المصريون"، تستعرض قصصًا واقعية تعرض لها شباب مصريون وقعوا ضحايا لهذه المراكز، كما في حالة محمد محمود، وهو شاب يعمل فى مجال التسويق الإلكتروني، فيقول: "وجدت إعلانًا على أحد مواقع الإنترنت المتخصصة فى إعلانات الوظائف لشخص يدعى "م .سمير"، يطلب مسوقًا إلكترونيًا براتب 2000 جنيه - كان ذلك في عام 2016 - للعمل بشركة توظيف مقرها شارع فيصل، على أن يكون العمل من المنزل، فسارعت بالاتصال برقم الهاتف المرفق مع الإعلان، خاصة أن الراتب كان مناسبًا حينها، وبالفعل أخذت من الطرف الآخر عنوان الشركة".

وتابع: "بادرت بالذهاب إلى هناك، لأجد موظفة استقبال حسناء المظهر على مكتب وحيد بالشقة مقر الشركة، التى أخذت بياناتى الشخصية، وعددًا كبيرًا من الشباب داخل المقر، ينتظرون دورهم فى المقابلة، وعندما حان وقت مقابلتى الشخصية دخلت بغرفة بها مجموعة كبيرة من الكراسي، وفتاة جميلة ومنسقة المظهر والحديث جالسة فى أحد أركان الغرفة وتبتسم وتقول لى "اتفضل" وأطلعتنى على تفاصيل العمل.

وأوضح أن "العمل كان عبارة عن التسويق لدورات تدريبية للشباب أو كورسات فى جمال الهندسة الإلكترونية، تعطيها الشركة للشباب مقابل 1800 جنيه، على وعد بأن مَن ينهى الكورس بنجاح سوف يحصل على فرصة عمل مباشرة فى "أحد مشروعات الدولة الشهيرة" - تتحفظ "المصريون" على نشر اسمها- من خلال بروتوكول مشترك، ومن يفشل فى تجاوز اختبارات الكورس سوف يأخذ فرصة أخرى لإعادته بعد ثلاثة أشهر، وإذا فشل فى المرة الثانية، يحصل على فرصة ثالثة بعد ثلاثة أشهر أخرى، وإن فشل يسترد الـ1800 جنيه التى دفعها كتأمين".

وتابع: بدأت أتشكك فى الأمر، وزادت شكوكى عندما ربطوا الراتب بعدد الشباب الذى أجلبه لأخذ الكورس، وأيضًا وضع شرط أن أجلب للشركة كل أسبوع مسوّقًا إلكترونيًّا، أو شخصًا يعمل بالسوشيال ميديا، لكن تأكدت تماما أن هذه الشركة نصابة، عندما طلبوا منى أن أرفق رقم هاتفى الشخصى فى الإعلان الذى سوف أنشره، وألا أذكر اسمهم أو عنوان المقر الخاص بهم فى العنوان، فخرجت من المقابلة على قسم الشرطة، وأبلغتهم عن التفاصيل التى حدثت، وتركت عنوانهم وذهبت للمنزل، وبعد أسبوع، أخذنى الفضول للذهاب إلى الشركة لأرى ما وصلوا إليه، ففوجئت بحارس العقار يقول لي: "إنه تم القبض عليهم ووضع الشمع الأحمر على باب المقر لنصبهم على العديد من الشباب".

بينما قال أحمد فودة، أحد الشباب يسكن بالمعادي، إنه وقع ضحية نصب لأحد مراكز التدريب الوهمية، عندما خرج من المسجد عقب صلاة الجمعة، ووجد طفلاً يقف أمام المسجد، أعطاه ورقة بها إعلان عن افتتاح مركز جديد لتعليم اللغة الإنجليزية، شهادته موثقة من سفارة أجنبية وجامعة بريطانية شهرية، ولأنه يحلم بالهجرة إلى كندا كان ينبغى له تحسين لغته الأجنبية، وبالفعل تقدم إلى المركز ليجد استقبالا جيدًا وأجهزة وأماكن للشرح ومذكرات ومكانًا مجهزًا بطريقة جيدة إلى حد ما، وشهادة معلقة على الحائط من الجامعة الشهرية، فتشجع أكثر لدفع المقابل المادى نظير الكورس نحو 5650 جنيها، وتم الأمر، وأخذ موعد بداية الدورة، لكن مع الانتظام فى حضور محاضرات تعليم اللغة الإنجليزية تبين أن المستوى متدنٍ للغاية، وبدأت المعاملة الجيدة التى وجدتها فى البداية تنعدم تدريجيًا.

وبعد انتهاء الكورس، الذى قال إنه لم يستفد منه، وبعد تجاوزه الاختبار المقرر، طالب بالشهادة قالوا له بعد 47 يومًا، ليكتشف بعدها أن الشهادة غير موثقة من أى جهة رسمية، فقط ختم المركز، وعند استنكاره لهذا الأمر، صدم بردهم بأن ختم الجامعة يتكلف 35 ألف جنيه، وأنه لكى توثقها من السفارة الأجنبية لابد أن تدفع 28 ألف جنيه أخرى، اعترض وذهب إلى قسم الشرطة، وبالفعل خرج معه ضابط واثنان من الأمناء إلى مقر المركز وفحصوا الأوراق وجدوها جميعًا صحيحة.

"أما عن عدم توثيق شهادتي، فقالوا لم نجد أى مستند رسمى يدل على أنهم وعدوك بتوثيقها مجانا، وأن ورقة الإعلان لا يعتد بها كمستند رسمي، ولم يكتب بها أنه سيتم توثيق كل الشهادات، أيقنت وقتها أننى وقعت فريسة لخداع وجشع صاحب المركز، والشهادة التى حصلت عليها منهم لم تفدنى بشيء، ولم أستفد علميًا، وأعمل الآن سائق تاكسى وتبخرت كل أحلامى فى الهجرة بعد عملية النصب هذه"، وفق قوله.

في أحد أحياء القاهرة الراقية، يوجد مرمز متخصص فى تعليم اللغة الألمانية، يوهم الشباب بالسفر لأوروبا من أجل استكمال الدراسة هناك فى إحدى الجامعات المشهورة، عقب تجاوزهم اختبار كورس متعدد المستويات فى اللغة الألمانية، بتكلفة 30 ألف جنيه و45 ألف أخرى عند استلام تأشيرة السفر، إلا أنه وعقب السفر يفاجأ الشاب بأنه سوف يدرس فى معهد خاص اسمه مشابه لاسم الجامعة الألمانية الحكومية المتفق عليها.

أحد ضحايا المركز، يدعى "س. م" ، روى لنا حكايته من البداية للنهاية، قائلاً: "إعلانات هذا السنتر تنتشر بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعى، وأخذت بعض التفاصيل من خلالها، وذهبت إلى المقر، وشعرت بانبهار شديد عندما دخلته لأول مرة، حيث انتابنى شعور بأننى لست بمصر، وأن هذا المبنى والصرح فى إحدى دول أوروبا.

وتابع: "فى ظل انبهارى تحدثت مع إحدى موظفات الاستقبال الخمس الموجودات فى المبنى اقتنعت بجميع ما قالته الموظفة التى يبدو أنها مدربة بعناية، واتخذت الإجراءات المتبعة ودفعت القسط الأول من الرسوم المقررة، ثم تجاوزت المستوى الأول من اختبار الكورس ودفعت قسطا آخر، واستمررت حتى حصلت على الشهادة النهائية الموثقة من سفارة الدولة الأوربية، وكان جل ما دفعته 30 ألف جنيه، وأغرانى السفر إلى أوروبا واستكمال الدراسة هناك".

واستطرد: قمت ببيع سيارتى وسددت المبلغ المطلوب 45 ألف جنيه، وأنهيت إجراءات السفر، ووصلت إلى العاصمة الأوربية المنشودة، وذهبت إلى السكن المعد لى مسبقًا من قبل المركز، فوجدت ثلاثة شباب مصريين مشتركين معى فيه، يستقبلوننى أفضل استقبال، وقال لى أحدهم: مفاجأة فى انتظارك بالصباح، وحدثت بالفعل عندما ذهبت إلى العنوان المرفق بالأوراق التى حصلت عليها من المركز، حيث المكان الذى من المفترض أن أكمل دراستى به، ليس الجامعة الأوروبية العريقة والشهيرة، بل مجرد معهد خاص للتدريب والدراسة يحمل اسمًا مشابهًا للجامعة، وعند عودتى للمسكن وجدت رفاقى يضحكون ويقولون لي: مرحبًا بك فى عالمنا، تحب نبحث لك عن عمل تعوض به ما دفعته أم تعود إلى مصر".

وأشاروا – وفق قوله - إلى أن "منهم من كان يعلم بحقيقة الجامعة والمعهد قبل السفر واتخذوها طريقة للسفر إلى أوروبا ومن ثم تقنين أوضاعهم، ومنهم مَن لا يعلم، لكنهم قرروا البقاء هناك من أجل النجاح وعدم الاستسلام لليأس".

واستكمل وعلامات الأسى والحسرة قد ارتسمت على وجهه: "استمر بقائى فى الغربة على هذا الحال 3 أسابيع هناك، أحاول البحث عن فرصة عمل مناسبة لخريج كلية الألسن، وظننت أن اللغة التى أتقنها أكثر من لغتى الأم ستكون مفتاح الخير الذى يفتح جميع الأبواب المغلقة، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فجميع الوظائف التى تقدمت لها، رفضت قبولى بسبب أننى دخلت للبلاد طالبًا وليس من أجل العمل، والأعمال المتاحة لى لا تتناسب مع ظروفى الصحية أو العلمية، فقررت العودة إلى مصر ومقاضاة المركز، لكننى خسرت القضية لأنه ببساطة جميع أوراقهم قانونية، والقانون لا يحمى المغفلين مثلى".

وقدم رشاد حسن العطار، استشارى وخبير ومدرب الموارد البشرية والتنمية الذاتية، نصائح للشباب المقبل على سوق العمل حتى ينجو من فخ هذه المراكز الوهمية، قائلاً: "يجب أن يعرف الشباب أنه علميًا لا يوجد شيء اسمه تنمية بشرية، اسمها الصحيح تنمية ذاتية، وقبل الذهاب إلى أى مركز عليه أن يعرف الفرق بين التأهيل النفسى الذى ينظم الوقت ويحل المشكلات والتخطيط، والتحدث بطلاقة، ومواجهة الأزمة وبين التدريب المهنى، مثل العلاقات العامة وخدمة العملاء والتسويق وفن البيع وأساليب الإقناع والإدارة والسكرتارية وإدارة الموارد البشرية".

وأضاف أن "اختيار مركز التدريب يجب أن يتم من خلال التعرف على السيرة الذاتية للقائمين على المركز وسابقة أعمالهم فى المجال، والتأكد من أن المكان قانونى وأن ما يقدمه من محتوى معتمد من جهات مرموقة، والحرص على الاطلاع على عناوين ونقاط المادة العلمية، وأهميتها فى التأهيل النفسى والتدريب المهنى والوقوف على القيمة المالية، والرسوم دائمًا ما تكون مراعية ظروف المتدرب وأن الهدف الأساسى التدريب وليس الاستغلال، والسؤال عن مدى إمكانية اعتماد الشهادة الممنوحة من الخارجية، واعتماد المركز والمدرب أو المحاضر على ورش عمل عملية تزيد تفاعل المتدربين، وسؤال أصحاب الخبرة فى المجال أو من سبق لهم الحصول على التدريب".

وقال محمد علي، المحامى بالنقض، إن "الكثير من مراكز الكورسات الخاصة فى مصر تتحايل على القانون، من خلال استغلال ثغرات القوانين وتعدد الجهات المانحة للتراخيص بين وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالى ووزارة التضامن ووزارة الأوقاف ووزارة الثقافة والكنائس، فمن حق كل تلك الجهات منح التراخيص لكل جهة حسب اختصاصها".

وأضاف أنه "مع ملاحظة أن وزارة التضامن الاجتماعى تمنح تراخيص الحضانات ومدارس المعاقين، ووزارة الأوقاف تمنح تراخيص مراكز تحفيظ القرآن، ووزارة الثقافة تمنح تراخيص مراكز ثقافية، والكنائس تمنح تراخيص معاهد دراسة اللاهوت، ومن هنا تأتى الثغرة، فماذا يمنع مركز تحفيظ القرآن من أن يقدم نشاطًا إضافيًا مخالفًا لترخيصه، لكنه لا يبتعد كثيرًا عن مجال ترخيصه مثل تدريس اللغة العربية لطلبة المدارس"؟.

وذكر أنه "ما زاد الطين بلة أن تلك المراكز التعليمية المخالفة لم تكتفِ بذلك، بل اتجهت إلى جيل الشباب العاطل عن العمل بفعل وجود قصور فى العملية التعليمية، فكانت الخطة الجهنمية بمنح هؤلاء الشباب كورسات تؤهلهم لسوق العمل من اللغات والكمبيوتر إلى التنمية البشرية وصولا إلى منح شهادات معتمدة، وتحت تلك الكلمة نضع ألف خط والسر وراء تلك الشهادات أنها ليست شهادات نجاح ولكنها شهادات حضور".

وأكد أن "مضمون الشهادة أن تشهد جهة كذا بأن فلان الفلانى قد حضر دورة كذا للتنمية البشرية كمثال وفى نهايتها الكلمة المعتادة أنه تم منح هذه الشهادة بناء على طلب الطالب، ودون أدنى مسئولية على الجهة المانحة".

وأشار إلى أن حقيقة الحال أن صياغة تلك الشهادات بالطريقة سالفة الذكر هى السر وراء استمرارها فى عدم تحملها أى مسؤولية قانونية، وبالتالى فهذه الشهادات لا وزن لها فى سوق العمل، لكن حتى نكون منصفين، فاللوم لا يقع على الدولة وحدها ولا على مافيا الشهادات فقط، لكن كذلك على الشاب الذى ينفق أمواله على جهات غير شرعية فى حين أن أمامه جهات شرعية أخرى مثل مراكز التدريب المعتمدة والمنتشرة فى مختلف أرجاء مصر، التى تمنح شهادات رسمية، والدورات التى تعطيها السفارات الأجنبية تحت إشراف الدولة المصرية".


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل ترى مصر قادرة على استضافة أمم أفريقيا 2019؟

  • فجر

    05:24 ص
  • فجر

    05:23

  • شروق

    06:52

  • ظهر

    11:56

  • عصر

    14:41

  • مغرب

    17:00

  • عشاء

    18:30

من الى