• الخميس 24 يناير 2019
  • بتوقيت مصر04:45 ص
بحث متقدم

الصغير حين غنى للقاتل!

مقالات

بوضوح فلم تكن مأساتنا العربية، منذ أقدم العصور، وتحديدًا منذ تحول الأمر في حضارتنا العربية من "الشورى" إلى "التوريث والملك العضوض"، وفق الطريقة التي أخذت بها البيعة عنوة لـ"يزيد بن معاوية"؛ رغم تلاوة سورة كاملة اسمها "سورة الشورى"، كان ينبغي أن تغرس في الحاضنة العربية فكرًا سياسيًا جديدًا وإنسانيًا ومتنوعًا، أقول لم تكن مأساتنا العربية، في أن يجبر الطواغيت _ القدماء والمحدثون _ شعوبنا على أن يدفعوا ثمنًا داميًا جراء لعبة الشهوة السياسية القميئة التي تتحدى النص الديني نفسه، وإنما تكاملت المأساة بوجود "ماكينة التبرير" التي تبرر القتل و"تشرعنه" وتغني له أيضًا على "الصاجات"!.
ذهب المطرب الشعبي "سعد الصغير" إلى دمشق منذ أيام، ليغني لـ"بشار الأسد"، ويعلو غناؤه بأغنيته الشعبية: ".. أنا الأسد آهو ..."! ووقف المطرب الشعبي على خشبة المسرح يقول لجوقة النفاق السوري التي ذهبت لتسمع له: "غنوا معي _ بقوة _ .. أنا الأسد آهو .."! وغنى الحضور الجماهيري المصنوع في مطابخ حزب البعث، مع "الصغير": "أنا الأسد آهو ..!"، وبرغم أن العبارة التي غناها الناس في سوريا لا صلة لها باسم "بشار الأسد"، ولا تعدو أن تكون عبارة مبتذلة ضحلة من أغنية هابطة، فإن الزج باسم "الأسد" فيها جعل "سعد الصغير" والجمهور البعثي الحنجوري المصنوع، يتصورون أنها "أغنية وطنية مجيدة" تغنى لـ"أماجد" يصنعون لوطنهم مستقبلًا كريمًا! صدق "الصغير" نفسه فعلًا وتصور أنه يغني أغنية وطنية، تجدد أمجاد "سيد درويش" و"محمد عبد الوهاب" و"صفر علي" و"أم كلثوم" في مضمار الغناء الوطني! واندفع "الصغير" _ بنشوة الموقف _ فنشر صورًا له عبر حسابه على "الفيس"، و من خلال "الإنستجرام"، لحفل رأس السنة الذي أحياه  في سوريا معقبًا: ".. شكرًا شعب سوريا العظيم!.."، ولم يتوقف أحد ليسأل مع اللازمة الغنائية: ".. أنا الأسد آهو..." هل من شيم الأسد في الغابة أن يقتل الضعفاء أم أن يواجه الأقوياء؟! وهل من شيم الأسد أن يستعين بـ"الضباع" الخسيسة كي تدافع عنه، كما استعان النظام البعثي بـ"الدب الروسي" ليدافع عنه ويتربح بـ"الارتزاق والحرب بالوكالة"؟! هل كان بشار يتصرف تصرف أسود شماء تنازل خصمها القوي بنفسها، أم ضباع خسيسة تلتهم أناسها وأبناءها بالوكالة؟!.
وهل كان "سعد الصغير" وفرقته الغنائية، أو ربما من دفع "سعد الصغير" لهذه الفاصلة الغنائية الخسيسة على جثامين أطفال سوريا، أقول هل كان هؤلاء على دراية بأنهم يغنون _ ملء حناجرهم _  لرجل، تمرس بقتل النساء السوريات، بدءًا بـ"زينب" التي اختطفها شبيحة "الأسد" لإجبار شقيقها على تسليم نفسه! ثم وجدت المرأة المهيضة جثة مقطوعة الذراعين وقد سلخوا جزءًا من جلدها، فلم يكن مطلوبًا مجرد القتل، بل تصدير رسائل الهلع للجميع! وهو ما وثقته تقارير منظمة العفو الدولية بشأن سوريا بدءًا من 13 سبتمبر 2011! هل من غنوا: ".. أنا الأسد آهو.." كانوا على علم بأن الجزار الذي يغنون له _ باستمتاع _ كان يقتاد الآمنين من بيوتهم، بعد خلع أبوابها (نعم خلع أبواب البيوت عن عمد!) وهل يعلم المطربون الأماجد، الذين غنوا لـ"بشار الأسد"، أن المقدم "سليمان جمعة" رجل بشار المخلص بالأمن السوري، كان لا يتورع أن يشرب "الكحول" مقهقهًا أمام معتقلي النظام السوري، وهو يجرد بعض السوريات من ملابسهن، قائلًا بلسانه الثقيل من أثر السكر والثمالة: ".. هي الحرية اللي بدنا نعطيكم إياها يا كلاب..!".
هل من غنوا لبشار: ".. أنا الأسد آهو.." _ على شرف "سعد الصغير" _  اطلعوا على ما يقرب من خمس وأربعين ألف صورة مرعبة، نشرتها تباعًا صحيفة "ديلي ميل" لأوضاع تعذيبية مخيفة، لم يعرفها التاريخ الحديث وتعكس ما وصف بـ"العنف الممنهج" في سوريا؟! وهل درى من غنى للمجرم في سوريا، أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان قد وثقت قتل 11 ألفًا و492 بسبب التعذيب، وأن منظمة العفو، قد وصفت سجن "صيدنايا" بـ"المسلخ البشري"؟! وهل دروا أنهم غنوا لمزور فرض نفسه على سوريا ستة عشر عامًا بالاستفتاءات الشكلية / الديكورية، حتى وصل بالسوريين إلى مرحلة أن يكرهوا اليوم الذي ولدوا فيه؟! وهل اطلع المغنون الأماجد على شهادة "كارلاديل بونتي"، ممثلة لجنة تحقيق الأمم المتحدة حول استخدام الأسلحة الكيميائية من قبل النظام السوري ضد المدنيين في سوريا عبر ست سنوات؟! وهل درى المغنون الأماجد أن بطلهم الملهم _ الذي يغنون له _ قد أدخل إلى بلاده نحوًا من 63000 عسكري روسي قتلوا ما يقرب من 1600 طفل وجعلوا حياة السوريين، مرارًا وجحيمًا؟!.
ما أبعد الفارق بين المشهدين! حين ذهب المطرب الراحل "محمد عبد الوهاب" إلى "دمشق" عام 1928، بترشيح من أمير الشعراء "أحمد شوقي"، في عهد الرئيس السوري الراحل "محمد العابد"، فغنى للشاعر "بشارة الخوري" قصيدته: 
الهوى والشباب والأمل المنشود                    توحي فتبعث الشعر حيا
ثم عاود "عبد الوهاب" الغناء في سوريا قصيدة شوقي "أنشودة دمشق" (عام 1943):
سلامًا من صبا "بردى" أرق            ودمع لا يكفكف يا دمشق
وعاود "عبد الوهاب" التغريد في سوريا مجددًا عام 1958 في فورة سنوات "الوحدة المصرية السورية"، أقول ما أبعد الفارق بين زيارات المطرب الحقيقي _ لا الأكذوبة! _ "عبد الوهاب" لسوريا مغنيًا للوطن لا الأشخاص، وبين زيارة "سعد الصغير" في مطلع عام 2019 محتفيًا برأس السنة مع السوريين، وحارقًا للبخور أمام أخس آلة قتل عرفتها المنطقة، وممجدًا للأشخاص لا الأوطان!.
وبوضوح أقول: ليست المشكلة فقط في "القاتل"، ولكن المشكلة المستحكمة تبقى في "الصغير" الذي يغني ويرقص فوق الجثامين، ويلتمس للقاتل ألف عذر!!.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

ما هى توقعاتك لنتيجة مباراة الزمالك وبيراميدز؟

  • فجر

    05:30 ص
  • فجر

    05:30

  • شروق

    06:57

  • ظهر

    12:12

  • عصر

    15:07

  • مغرب

    17:27

  • عشاء

    18:57

من الى